الشوكاني

324

فتح القدير

الخدع - وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله - فهذه كفاية خاصة ، وفي قوله ( يا أيها النبي حسبك الله ) كفاية عامة غير مقيدة : أي حسبك الله في كل حال ، والواو في قوله ( ومن اتبعك ) يحتمل أن تكون للعطف على الاسم الشريف . والمعنى : حسبك الله وحسبك المؤمنون : أي كافيك الله وكافيك المؤمنون ، ويحتمل أن تكون بمعنى مع كما تقول : حسبك وزيدا درهم ، والمعنى : كافيك وكافي المؤمنين الله ، لأن عطف الظاهر على المضمر في مثل هذه الصورة ممتنع كما تقرر في علم النحو ، وأجازه الكوفيون . قال الفراء : ليس بكثير في كلامهم أن تقول حسبك وأخيك ، بل المستعمل أن يقال : حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار ، فلو كان قوله ( ومن اتبعك ) مجرورا لقيل : حسبك الله وحسب من اتبعك ، واختار النصب على المفعول معه النحاس . وقيل يجوز أن يكون المعنى : ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله فحذف الخبر . قوله ( حرض المؤمنين على القتال ) أي حثهم وحضهم ، والتحريض في اللغة : المبالغة في الحث وهو كالتحضيض ، مأخوذ من الحرض ، وهو أن ينهكه المرض ويتبالغ فيه حتى يشفى على الموت كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور به ، ثم بشرهم تثبيتا لقلوبهم وتسكينا لخواطرهم بأن الصابرين منهم في القتال يغلبون عشرة أمثالهم من الكفار ، فقال ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) ثم زاد هذا إيضاحا مفيدا لعدم اختصاص هذه البشارة بهذا العدد ، بل هي جارية في كل عدد فقال ( وإن تكن منكم مائة يغلبوا ألفا ) وفي هذا دلالة على أن الجماعة من المؤمنين قليلا كانوا أو كثيرا لا يغلبهم عشرة أمثالهم من الكفار بحال من الأحوال وقد وجد في الخارج ما يخالف ذلك ، فكم من طائفة من طوائف الكفار يغلبون من هو مثل عشرهم من المسلمين ، بل مثل نصفهم بل مثلهم . وأجيب عن ذلك بأن وجود هذا في الخارج لا يخالف ما في الآية لاحتمال أن لا تكون الطائفة من المؤمنين متصفة بصفة الصبر ، وقيل إن هذا الخبر الواقع في الآية هو في معنى الأمر كقوله تعالى - والوالدات يرضعن - والمطلقات يتربصن - فالمؤمنون كانوا مأمورين من جهة الله سبحانه بأن تثبت الجماعة منهم لعشرة أمثالهم ، ثم لما شق ذلك عليهم واستعظموه خفف عنهم ورخص لهم لما علمه سبحانه من وجود الضعف فيهم فقال ( فإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ) إلى آخر الآية . فأوجب على الواحد أن يثبت لاثنين من الكفار . وقرأ حمزة وحفص عن عاصم ضعفا بفتح الضاد . وقوله ( بأنهم قوم لا يفقهون ) متعلق بقوله ( يغلبوا ) أي إن هذا الغلب بسبب جهلهم وعدم فقههم ، وأنهم يقاتلون على غير بصيرة . ومن كان هكذا فهو مغلوب في الغالب . وقد قيل في نكتة التنصيص على غلب العشرين للمائتين ، والمائة للألف أن سراياه التي كان يبعثها صلى الله عليه وآله وسلم كان لا ينقص عددها عن العشرين ولا يجاوز المائة ، وقيل في التنصيص فيما بعد ذلك على غلب المائة للمائتين والألف للألفين على أنه بشارة للمسلمين بأن عساكر الإسلام سيجاوز عددها العشرات والمئات إلى الألوف . ثم أخبرهم بأن هذا الغلب هو بإذن الله وتسهيله وتيسيره لا بقوتهم وجلادتهم ، ثم بشرهم بأنه مع الصابرين ، وفيه الترغيب إلى الصبر والتأكيد عليهم بلزومه والتوصية به . وأنه من أعظم أسباب النجاح والفلاح والنصر والظفر ، لأن من كان الله معه لم يستقم لأحد أن يغلبه . وقد اختلف أهل العلم هل هذا التخفيف نسخ أم لا ؟ ولا يتعلق بذلك كثير فائدة . وقد أخرج البزار عن ابن عباس قال : لما أسلم عمر قال المشركون : قد انتصف القوم منا اليوم . وأنزل الله ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) . وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : لما أسلم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسعة وثلاثون رجلا وامرأة ، ثم إن عمر أسلم صاروا أربعين فنزل ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال : لما أسلم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة وثلاثون وست نسوة ثم أسلم عمر نزلت ( يا أيها النبي حسبك الله